صديق الحسيني القنوجي البخاري
360
فتح البيان في مقاصد القرآن
والضمير عائد إلى الذين أشركوا أي وبعض الذين أشركوا يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تتلو القرآن قال مجاهد وهم قريش وقال هنا يستمع وفي يونس يَسْتَمِعُونَ بالجمع لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد ، وما في يونس في جميع الكفار فناسب الجمع فأعيد الضمير على معنى ( من ) وفي الأول على لفظها وإنما لم يجمع ثم في قوله ومنهم من ينظر إليك لأن الناظرين إلى المعجزات أقل من المستمعين للقرآن . وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم ، والأكنة الأغطية جمع كنان وهو الوعاء الجامع والغطاء الساتر كالأسنة والسنان كننت الشيء في كنة إذا جعلته فيها وأكننته أخفيته قال مجاهد في أكنة كالجعبة للنبل وجعل هنا للتصيير وبمعنى خلق أو ألقى ، والجملة مستأنفة للإخبار بمضمونها أو حالية أي وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أَنْ يَفْقَهُوهُ أي القرآن أو لئلا يفقهوه . وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي صمما وثقلا يقال وقرت أذنه تقر أي صمت وقرىء وقر بكسر الواو أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول التشبيه بوقر البعير والحمار وهو مقدار ما يطيق أن يحمله . والحاصل أن المادة تدل على الثقل والرزانة ومنه الوقار للتؤدة والسكينة ، وذكر الوقر والأكنة تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه كأن قلوبهم لا تعقل وأسماعهم لا تدرك قال قتادة : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا كمثل البهيمة التي لا تستمع النداء ولا تدري ما يقال لها . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي بشيء من الآيات التي يرونها من المعجزات ونحوها لعنادهم وتمردهم حَتَّى هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد إلى أنهم إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أي مجادلين مخاصمين لا مؤمنين بها ولم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان بل يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا أي ما هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقيل هي الجارة والمعنى حتى وقت مجيئهم مجادلين يقولون ذلك ، وهذا غاية التكذيب ونهاية العناد . والأساطير قال الزجاج : واحدها أسطار ، وقال الأخفش أسطورة ، وقال أبو عبيدة : أسطارة وقال النحاس : أسطور ، وقال القشيري : أسطير ، وقيل هو جمع لا واحد له كعبابيد وأبابيل ، وظاهر كلام الراغب أنه جمع سطر ، والمعنى ما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث قال الجوهري الأساطير الأباطيل والترهات ، وقال السدي أساجيع الأولين ، وقال ابن عباس : أحاديث الأولين ، وقال قتادة : كذب الأولين وباطلهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 26 إلى 28 ] وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 26 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 )